محمد بن جرير الطبري

93

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أيها الناس حمده هو الذي خلق السماوات والأرض ، الذي جعل منهما معايشكم وأقواتكم وأقوات أنعامكم التي بها حياتكم ، فمن السماوات ينزل عليكم الغيث وفيها تجري الشمس والقمر باعتقاب واختلاف لمصالحكم ، ومن الأرض ينبت الحب الذي به غذاؤكم والثمار التي فيها ملاذكم ، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها . والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم أيها الناس بربهم الذي فعل ذلك وأحدثه يَعْدِلُونَ يجعلون له شريكا في عبادتهم إياه ، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان ، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم ، بل هو المنفرد بذلك كله ، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها من عظة ، لمن فكر فيها بعقل وتدبرها بفهم ولقد قيل أنها فاتحة التوراة . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب ، قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا زيد بن حباب ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب ، مثله . وزاد فيه : وخاتمة التوراة خاتمة هود . يقال من مساواة الشيء بالشيء : عدلت هذا بهذا ، إذا ساويته به عدلا . وأما في الحكم إذا أنصفت فيه ، فإنك تقول : عدلت فيه أعدل عدلا . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : يَعْدِلُونَ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يَعْدِلُونَ قال : يشركون . ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بذلك ، فقال بعضهم : عني به أهل الكتاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى ، قال : جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قال له : أليس الذين كفروا بربهم يعدلون ؟ قال : بلى . قال : وانصرف عنه الرجل ، فقال له رجل من القوم : يا ابن أبزى ، إن هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا ، إنه رجل من الخوارج فقال : ردوه علي فلما جاءه قال : هل تدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قال : لا . قال إنها نزلت في أهل الكتاب ، أذهب ولا تضعها على غير حدها . وقال آخرون : بل عنى بها المشركون من عبدة الأوثان . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قال : هؤلاء أهل صراحة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قال : هم المشركون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله قال : وليس بالله عدل ولا ند ، وليس معه آلهة ، ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إن الله تعالى أخبر أن الذين كفروا بربهم يعدلون ، فعم بذلك جميع الكفار ، ولم يخصص منهم بعضا دون بعض ، فجميعهم داخلون في ذلك : يهودهم ، ونصاراهم ، ومجوسهم ، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني تعالى ذكره بقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أن الله الذي خلق السماوات والأرض ، وأظلم ليلهما وأنار نهارهم ، فكفر به مع إنعامه عليهم الكافرون ، وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرهم . هو الذي خلقكم أيها الناس من طين ؛ وإنما يعني بذلك تعالى ذكره أن الناس ولد من خلقه من طين ، فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم ، إذ كانوا ولده . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :